المناظرة: ‏تعريفها ‏و ‏شروطها ‏و ‏آلية ‏التحكيم ‏فيها

0

تعريف فن المناظرة:

نعني بفن المناظرة لغة النقاش و الحوار، بحيث تقوم على تبادل وجهات النظر بين طرفين. فيكون لكلّ طرفٍ رأيٌ خاص يواجه به الطّرف الآخر و يدافع عنه، و للطرف الآخر أيضاً رأيٌ مغاير للأول.

 ذكر معجم الوسيط فنّ المناظرة بأنه ندوة لتبادل الأفكار، وتحديد طبيعة المشاكل. أمّا اصطلاحاً فتتمثل بقيام طرفين بالمحاورة بموضوعٍ معين، و يكون لكليهما وجهة نظرٍ مختلفة عن الأخرى.

ما هي المناظرة,كيف تكون المناظرة,وظيفة المناظرة,مفهوم المناظرة,المناظرة و الحوار,شروط المناظرة,علم المناظرة,

و تحاول كلّ جهة إثبات وجهة نظرها و دحض رأي الطرف المقابل، و ذلك مع توفر نيّة جدّية و خالصة في إحقاق الحق و تبيان الباطل و الخطأ، ليتم الإعتراف بما يظهر من حقائق عند التثبت منها حول موضوع الخلاف القائم.

يتوفر ركنان أساسيان لفنّ المناظرة، أما الأول فهو موضوع البحث التي تتمحور حوله المناظرة و الخلاف. الركن الثاني وجود طرفين يتناقشان في هذا الموضوع، و لدى كل طرف وجهة نظر يدافع عنها، و يهاجم بها الطرف المقابل.

المناظرة لغة تأتي من النظير أم النظر، أي الإبصار أو الإنتظار. اصطلاحياً تعني النظر بالبصيرة من الجهتين، المُعلّل والسائل، بهدف تبيان الصواب.

علم المناظرة هو من العلوم العربية القديمة و الأصيلة. يتفرغ لدراسة الفعالية التناظرية الحوارية من خلال تنظيم شروطها و قواعدها المنطقية و الأخلاقية. بهدف التقدم و الترقي بأسلوب المباحثة المعقودة بين الجهتين، و التي يكون مرادها إحقاق الحق، و التثبّت من الحقيقة في إحدى المجالات المعرفية. حيث يتواجه الخصمان بالأدلّة و الحجج التي تدعم نظرية كلّ منهما  في مواجهة الأخرى.

شروط و أركان المناظرة:

و نتحدث تالياً عن شروط المناظرة، و هي تندرج كما يلي:

١- على المتناظران أن يكونا على دراية بأنظمة المناظرةّ، و أسسها المتعلقة بالموضوعّ محور المناظرة.

٢- يتوجب على الطرفان أن يحيطا بالمسألةّ التي يختلفان عليها، ليتمكّنوا من المحاورة ضمن الحدود المسموحة لكل منهما، تحت قواعد المناظرة و أركانها. و ذلك كي لا يتجادلوا بغير معرفةٍ في البديهيات. و أن يعترفوا بالصواب دون الإستعلاء عليه أو مخالفته.

٣- على الموضوع المطروح أن يكون جائزاً للمناقشة و المناظرة حوله، ضمن قواعد هذا الفن و شروطه.

٤- أن تتم المناظرة على مجرى واحد٬ فإن كان الكلام المُعلّل منسوب للفقهاء، لا ينبغي الرّد عليه و سلم بالفلاسفة أو النحاة و ما إلى ذلك.

٥- الإعتراف للطرف الآخر بأحقيّة بعض النقاط الذي يطرحها أثناء المحاورة، لهو شيئٌ جيد و ليس له أيّ تأثيرٍ على منحى المناقشة و نتائجها. و يُعبّر عن وعي و اتّزان المتحاورين. و تقلُّ من خلاله المناوشات و الإساءة في الكلام بين الجهتين.

٦- نلفت الإنتباه إلى أنّ الحوار ليس خلافاً و مشاجرة. و عليه عند انتقائنا لكلماتنا، علينا ان نتجنّب الجُمل التي تحمل معاني الإحتقار و الغضب.

٧- الإتّفاق على مجال محدّد للحوار  مع الآخر، من بين عدّة مجالات من ثقافي ديني او اقتصادي. فالإضاءة على حدود المجال، يقلّل من وقت الحوار و مدّته و تشعباته المتعدّدة، و يُسهّل على الأطراف الوصول إلى نتائج ملموسة. و يمكن أن ينشأ الخلاف حول إثبات وجود شيئٍ أو نفي وجوده، أو حول تفسير مسألة و مؤشراتها. و لكلا الحالتين أسلوب و طريقة خاصة بها، بين إثبات المصادر في الأولى و تقديم البراهين الإستنتاجية في الثانية.

٨- أن نتجنّب التعميم أثناء الحوار، فنبتعد عن الجمل التي تحمل سمة العمومية، كي لا نفتح باباً للإستثناءات ولا يمكننا عندها الإنسياب في طرح الأفكار و النّقاط المتعددة. و إذا أمكن تجنّب كلمة "دوماً" و "مطلقاً"، و استخدام كلمة "بعض"  مكان كلمة "كثير"، و كلمة "أحياناً" مكان كلمة "مطلقاً". و ما الى ذلك من كلمات أخف وقعٍ و أقلّ شمولية و مجابهة.

٩- تجنّب تناول الأفراد أساساً للمسألة موضوع النّقاش. أي شخصنة المواضيع، و إلقاء الضّوء فقط على الفكرة و الموضوع الرئيسي.

١٠- الإبتعاد عن التعابير التي تطال الجهة المقابلة كفردٍ و ليس كوجهة نظر. كأن نقول: "أنت مخطئ"، بشكل مباشر، و الأصح قول: "فكرتك غير صحيحة أو غير دقيقة". و بشكل عام على النقاش أن يكون حول الأفكار و الأحداث، و ليس حول الأفراد و الأشخاص. كذلك الدفاع و الهجوم بوجهات النظر. و أيضاً الإنتقاد يجب أن يكون موجّه للفكرة المقابلة و ليس للشخص المقابل.

١١- إنّ الحوار بالمواضيع الثابتة، التي يستحيل مخالفتها لا معنى له. و كذلك على الأطراف اجتناب المغالاة في المسائل المؤكدة.

١٢- توثيق التواريخ و المصادر و الأرقام.

١٣- التمييز  بين الحجّة و الرأي. فعلى المحاور عند طرح رأيه فقط، لفت النّظر لذلك و الإقرار به عند الإستفسار عنه. و إلاّ ضعُف موقفه تجاه المسألة. فلا يجب التشبث بالرأي الشخصي على أنّه حقيقةٌ مُطلقة، لا يجب التخلّي عنها.

١٤- جذب المستمع و استمالته بطريقة الحديث، يمكن أن يكون أهم من إثبات وجهة النظر. و يكون ذلك باستخدام جمل مُحبّبة لا تحمل طابع الإساءة أو الإزدراء أثناء الحوار. و أقرب مثالٍ على ذلك المناظرات الرئاسيّة للولايات المتّحدة الأميركية، التي يولي فيها المتنافسون أهميّة لكسب قلوب الجماهير، و ليس إثبات فكرة بوجه الخصم.

ما هي المناظرة,كيف تكون المناظرة,وظيفة المناظرة,مفهوم المناظرة,المناظرة و الحوار,شروط المناظرة,علم المناظرة,

١٥- الحصول على النّقاط أثناء المحاورة، و تسجيل المواقف الإيجابية و المشتركة مع الخصم و الإضاءة عليها.

١٦- التفكير بواقعية و اتّزان. فليس كلّ فكرةٍ مطروحة يجب على المتناظرين إثباتها ليتكلّل الحوار بالنجاح. و أقرب مثالٍ لهذا المُعطة أنّه في الحرب ليس من الضروري، أن يكون الفائز هو المنتصر في جميع المعارك.

آلية التحكيم في المناظرة:

و نصل إلى التحكيم، و هو المرحلة الأخيرة من النّقاش و المناظرة. و فيه يتم اختيار أحد الأطراف فائزاً في المناظرة. و يحسم هذا الأمر بالإستناد إلى المعايير التالية:

١- محتوى المناظرة: أي فحوى الكلام، و ما يصدر عن الخصوم من براهيين و أدلّة. و مدى ترابط حججهم فيما بينها.

٢- أسلوب المناظرة و سيرها: و نعني بذلك الأخذ بالحسبان طريقة تكلّم الخصوم، و لغتهم التي يتحدثون بها، و نبرة الصوت في كلامهم.

٣- الخطّة المرسومة و كيف كانت أسس الخطاب و المحاورة، و الوضوح و طريقة ردّ كلّ طرفٍ على أدلّة الطّرف المقابل.

مثالٌ عن المناظرة:

إجراء مناظرة بين السّيف و القلم، من ناحية أيهما أعظم من الآخر. و يكون لكلّ منهما مناصرٌ لديه الأدلّة و الحجج اللاّزمة للدّفاع عن رأيه، و دحض الرأي المخالف له.

إقرأ أيضاً: خطوات بناء الشخصية القوية

و أيضاً يمكن أن تكون المناظرة بين مرشحين لمقعدٍ رئاسي. و في هذه الحالة يقوم كلّ منافسٍ بتقديم برنامج عمله، و طريقة حلّه للمشاكل الإقتصادية و الإجتماعية في البلاد. و كيفية السير بالمجتمع إلى مستقبلٍ أفضل. و يهاجم كلّ منهما خطّة الآخر، و يجاهر بعيوبها، لكسب النّقاط و التأييد على حساب منافسه.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية