مفهوم البحث العلمي
البحث العلمي لغةً و اصطلاحاً:
يمكن أن نعرّف البحث بطلب شيءٍ في التراب أو تحته. ونعني بكلمة بحث، التفتيش أو الإستقصاء و النبش. و نسمع أحداً يقول: "باحثه في مسألة"، أي حاوره فيها و جادله و ناقشه و أظهر له مراده بالبرهان و الحجّة. والبحث في أمرٍ معين، أي محاولة معرفة حقيقته و ما ورائه. فنقصد بالبحث التفتيش و التمحيض و السعي في إحدى المجالات، و إدراك حقيقة ما أو مسألة محدّدة. و العلم لغةً، هو الدراية و الإدراك و المعرفة. أمّا اصطلاحاً، فنقصد به الوقائع و الحقائق و النّظريات التي تشملها المؤلفات العلمية على نطاق واسع المعرفة. و نعني بها أيضاً جمعٌ من المعارف المدعومة بالبراهين الماديّة، و مجموع الأنظمة التي تم الكشف عنها لدراسة ظواهر الطبيعة و تحليلها على أساس تلك الأنظمة. كما أنّه معرفة مترابطة يتم إدراكها عبر الدراسة و التحليل و الملاحظة و إجراء التّجارب و الكشوفات، بهدف إظهار طبيعة و أسس ما تمّ العمل عليه.
ممّا يصل بنا إلى القول، أنّ البحث العلمي طريقة للتحليل و الدراسة يظهر عبرها الحلّ المناسب لمشكلة معيّنة، عبر المتابعة الواسعة و المفصّلة للحجج و الأدلّة و البراهين المتعلّقة بالمشكلة المعنية.كما يمكننا القول أنّه محاولةٌ لاكتشاف المعرفة و نموّها، و التنقيب عن ماهيتها و مراجعتها بالتقصِّ و النقد اللازم، و يلي ذلك إظهارها و عرضها بشكلٍ أنيقٍ و فريد، يقدّم إسهاماً للإنسانية جمعاء.
أركان البحث العلمي الأساسية
هذا العمل المعرفي و العلمي يؤديه شخصٌ يُدعى "الباحث"، من أجل معرفة الحقيقة و تتبّعها حول موضوعٍ أو فكرة ما، و هو ما ندعوه "موضوع البحث" و ذلك على طريقةٍ و أسلوب محدّدين و منظّمين مسبقاً، و هو ما نطلق عليه "منهج البحث"، للوصول إلى نتائج و حلول تظهر في نهاية العمل و تسمى "نتائج البحث".
أهمية البحث العلمي
يُعتبر البحث العلمي أساساً من أساسيات المعارف الإنسانية و الميزة الظاهرة في عصرنا الحالي. و حاجتنا له في وقتنا هذا أشدُّ ضرورة و إلحاح من الأوقات الماضية. فالعلم و الثقافة و المعرفة تساعد المجتمع البشري على تحسّنه و رفاهيته، و تعطيه القدرة على حل المعضلات و المشاكل على تعدّد أنواعها، و تضمن الترقّي للجنس البشري. و لذلك فإن البحث العلمي يكتشف حقائق كانت مجهولة يحيطها الغموض و الضباب. حيث أدركت ذلك الدول الراقية و المجتمعات المتقدّمة، بأنّ للبحث العلمي أهمّية كبيرة و هو يمثل دعامة أساسية نحو مستقبلٍ أفضل و أكثر ازدهاراً.
و يستفيد الباحث من البحث العلمي بعدّة نقاطٍ، أبرزها:
١ .تنشأ بينه و بين المكتبة علاقةٌ متينة.
٢ .مراجعة مناهج البحث و التوقف عند أفضلها.٣ .الإتّكال على المجهود الشخصي في تحصيل المعلومات و تعلّم الصبر.
٤ .الحصول على شخصية فريدة ذات معرفهٍ واسعة في تصرفاتها.
٥ .الغوص في الإختصاص و زيادة المعارف و الثقافة و تطوير المعارف.
٦ .الإرتقاء بسلّم العلم و حصول الفرد على درجته العلمية التي يتمناها.
شروط البحث العلمي
و نذكر تالياً شروط البحث العلمي الأساسية:
١ .توفّر مشكلة أو معضلة تتطلّب بحثاً علمياً.
٢ .تواجد البراهين و الأدلّة التي تحتوي على الحقائق.
٣ .الدراسة التفصيلية للأدلّة و تمييزها و تصنيفها.
٤ .اللّجوء إلى المنطق و استخدام العقل لتوزيع الأدلّة بين الحجج و الإثباتات.
٥ .إتّخاذ موقف حيادي، و تجنّب التشبّث بالرأي، و تقبّل النتائج التي تم التوصّل إليها كما هي.
٦ .حل المشكلة المعيّنة في ختام البحث و يكون عادةً على شكل تعميم.
خصائص البحث العلمي
يتميّز البحث العلمي بعدّة أمورٍ يمكن تلخيصها بما يلي:
أولاً: يعتبر البحث العلمي بحث يقوم على التنظيم: فيتّبع منهجاً محدداً سابقاً و لا يقوم على المصادفة أو الأمور الإرتجالية. و هذه الميزة تعطيه المصداقية في نتائج البحث. فالمعطيات يجب أن تندرج بالنّسبة للقارئ و المطّلع على البحث، من السهل إلى الصعب و من المعروف و المعلوم يليه المجهول. كما و يبدأ بالأمور البديهية ليتدرّج إلى المواضيع الخلافية مراعياً في ذلك تسلسل الأفكار و ترابطها.
ثانياً: البحث العلمي هو بحث نظري بحت: كونه يستعمل نظرية قائمة لإنشاء الفرضيات. و هو بيانٌ واضح يكون خاضعاً للإختبار و التّجارب.
ثالثاً: البحث العلمي هو بحث تجريبي: لأن أساسه التّجارب والإختبارات بالنّسبة للفروض. و البحث العلمي الذي لا يُبنى على ذلك لا يُعبر بحثاً علمياً، فالأخير يجب إسناده بالتّجارب لتشتدَّ مصداقيته.
رابعاً: البحث العلمي له سمة التّجدد: لأنّه دائم الإضافات في المعرفة و تجديدها. و ذلك بتحديث المعارف و المعلومات و المعطيات بأخرى أكثر دقّة و واقعية.
خامساً: البحث العلمي هو بحثٌ قائم على التّفسير: و يرجع ذلك إلى أنّه يلجأ إلى المعرفة و العلم لتفسير الأحداث و المعطيات، عبر مصطلحاتٍ متشابكة فيما بينها تدعى النظريات. فالبحث العلمي ليس لجمع المعلومات و الحقائق فقط، إنما لتفسيرها و تحديد إطارٍ لها يكون ذا فائدةٍ. كل ذلك هو ما يتفرد به التفكير و التحليل العلمي عن غيره، و هذا ما يحتاج إلى الفكر و يقود إلى التفكير الموجود في الأبحاث، و نقصد به التفكير النقدي العلمي.
سادساً: البحث العلمي ذات منحة و توجّه عام ومُعمَّم: كون المعارف و العلوم لا تستحصل على السمة العلمية و طبيعتها، إلا عند نشرها و تعميمها لتصبح متاحةً لكل فردٍ، كالكشوف الطبية على سبيل المثال.
سابعاً: البحث العلمي يتميز بالموضوعية: ونعني بهذه الخاصية جانبين أساسيين و هما:
أ- تمحور الدراسة في مسألة البحث، و تجنّب الإستطراد بما لا يخدم الموضوع الأساس.
ب- إبعاد الأحكام و الأفكار المُستخلصة في البحث عن الآراء الشخصية. فأهمية البحوث العلمية و تميزها يأتي بتجنيبها إصدار المواقف الفردية حول موضوع البحث، و تجريد النتائج من أيّة نزعة عاطفية و تأثير خاص. فهذه الروح العلمية هي المطلوبة في هكذا أبحاث.
إقرأ أيضاً: المناظرة: تعريفها، شروطها و آلية التحكيم فيها
و دمتم سالمين..


لا يوجد تعليقات
أضف تعليق