قصيدة ‏"اللّيلُ ‏و ‏الخَيلُ ‏و ‏البَيداءُ ‏تعرفني" ‏كاملة ‏للشاعر ‏المتنبي

0

المُتنبّي, أحد كواكب الشعر العربي و أيقونة البلاغة و المعنى. عُرف عنه براعته الشَّديدة في نظم القصائد باختلاف أنواعها.

هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي ابو الطيِّب المُتنبّي, و سنكتفي بذكر إسمه فقط, و لن نغوص في شهرته الواسعة في عالم الأدب و الكتابة. إذ خصصنا مقالتنا هذه لكتابة أعظم قصيدةٍ له, و التي ما زلنا نستشهد بأبياتها إلى يومنا هذا, دلالةً على الحِكمِ و العِبر التي تحملها تلك الأبيات بين كلماتها المُخلَّدة.

و من منَّا لا يعرف قصيدة "الخيلُ و اللَّيلُ و البَيداءُ تعرفُني", هذه القصيدة التي أذهلت مسامعنا في تعابيرها و عُمقها و صُورها الإبداعية, و مهما أسهبنا الحديث عنها لا نفيها حقَّها. و ليس لنا إلّا أن نقف احتراماً للأنامل التي خطَّت حروفها, و جعلتها تخرج إلى النّور, فهي تحفةٌ فنيَّة أدبيّة بكلّ ما للكلمة من معنى.

و قبل أن أتلو القصيدة عليكم, أحببت أن أمُرَّ على مناسبة القصيدة, أي الظرف و السبب الذي جعل الشاعر ينظم هذه القصيدة, و ذلك كي تكونوا على دراية مُسبقة بكواليسها, و تتوضَّح لكم معانيها, و يسهل عليكم فهمها و فهم أبعادها.

قصيدة الليل و الخيل و البيداء تعرفني كاملة,أروع قصائد المتنبي,مناسبة قصيدة الليل و الخيل و البيداء تعرفني,


مناسبة القصيدة:

كان المُتنبّي على علاقةٍ وطيدة بالأمير سيف الدَّولة, حيث طلبَ منه هذا الأخير, قصيدةً يمدحهُ فيها في مجلسٍ يضمُّ وزراء الدَّولة و نخبة رجالها. و كان بعض مَن في المجلس يكنُّ الحسد و البغضاء للمُتنبّي, كونه من المقرَّبين من سيف الدَّولة.

و عندما باشر المُتنبّي بإلقاء قصيدته, بدأ أحد الحضور ممَّن يغارون منه بمقاطعته عند كل بيت شعرٍ يُلقيه, و يتَّهمه بانه مسروقٌ من قصائدٍ أخرى, و بأنَّه يقوم بتقليد أبيات الشعراء الآخرين. و بقِيَ المُتنبّي متماسكاً في البداية أثناء إلقائه لقصيدته, حتى كثُر النَّقد حولها, فثار غضباً و أصبح يمتدح نفسه بأبياتٍ مُرتجلة, ردّاً على ما سيقَ له من افتراءاتٍ أمام الجمع الحاضر, ليُبيِّن لهم مدى تمكُّنه و بلاغته الشعرية.

و تخلَّل تلك الأبيات بعض العتب على سيف الدولة, و بعضاً من التنبيهات حول من يحيطون به, ليأخذ حذره منهم, و ذلك من باب المحبّة الشَّديدة, و مشاعر الإخلاص التي كان يكُّنها المُتنبّي لسيف الدَّولة.

و نعرض لكم تالياً مضمون القصيدة:

"وَ احَرّ قَلباهُ ممَّنْ قلبُهُ شِبَمُ

                   وَ مَن بجسِمي و حالي عِندَهُ سَقَمُ

ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قد بَرَى جَسَدي

                       وَ تَدّعي حُبّ سَيفِ الدّولةِ الأُمَمُ

إنْ كانَ يَجْمَعُنا حُبٌّ لِغُرّتِهِ

                             فَلَيتَ أنّا بِقَدرِ الحُبّ نَقتَسِمُ

قد زُرْتُهُ وَ سُيُوفِ الهِنْدِ مُغْمَدَةٌ

                          وَ قد نَظَرتُ إلَيهِ وَ السّيُوفُ دَمُ

فكانَ أحسَنَ خَلقِ الله كُلّهِمِ

                 وَ كانَ أحسَنَ ما فِي الأحسَنِ الشّيَمُ

فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمّمتَهُ ظَفَرُ

                            فِي طَيّهِ أسَفٌ فِي طَيّهِ نِعَمُ

قد نابَ عنكَ شَديدُ الخَوفِ وَ اصْطَنَعتْ

                            لَكَ المَهابَةُ ما لا تَصنَعُ البُهَمُ

ألزَمْتَ نَفسَكَ شَيئاً لَيسَ يَلزَمُها

                             أنْ لا يُوارِيَهُم أرضٌ و لا عَلَمُ

أكُلّمَا رُمْتَ جَيشاً فانْثَنَى هَرَباً

                             تَصَرّفَت بِكَ فِي آثَارِهِ الهِمَمُ

عَلَيكَ هَزْمُهُمُ فِي كلّ مُعْتَرَكٍ

                          وَ مَا علَيكَ بِهِمْ عَارٌ إذا انْهَزَمُوا

أمَا تَرَى ظَفَراً حُلْواً سِوَى ظَفَرٍ

                      تَصافَحَتْ فِيهِ بِيضُ الهِنْدِ و اللّممُ

يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ فِي مُعاملَتي

                  فيكَ الخِصامُ وَ أنتَ الخصْمُ و الحَكَمُ

أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً

              أنْ تَحسَبَ الشّحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

وَ مَا انْتِفَاعُ أخي الدّنيَا بِناظِرِهِ

                      إذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأنوارُ و الظُّلَمُ

سَيَعلَمُ الجَمعُ مِمّن ضَمَّ مَجلِسُنا

                       بأنّني خَيرُ مَن تَسعَى بهِ قَدَمُ

أنا الذي نَظَرَ الأعمَى إلى أدَبي

                     وَ أسْمَعَتْ كَلِماتي مَن بهِ صَمَمُ

أنامُ مِلءَ جُفُوني عَن شَوارِدِها

                      وَ يَسهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَ يَخْتَصِمُ

وَ جاهٍلٍ مَدّهُ فِي جَهْلِهِ ضَحِكي

                             حَتَّى أتَتْهُ يَدٌ فَرّاسَةٌ وَ فَمُ

إذا رَأيتَ نُيُوبَ اللّيْث بارِزَةً

                            فَلا تَظُنّنّ أنّ اللّيْثَ يَبتَسِمُ

وَ مُهجَةٍ مُهجَتي من هَمّ صَاحِبها

                              أدرَكْتُها بجَوَادٍ ظَهرُهُ حَرَمُ

رِجلاهُ فِي الرّكضِ رِجلٌ وَ اليَدانِ يَدٌ

                         وَ فِعلُهُ مَا تُريدُ الكفُّ وَ القَدَمُ

وَ مُرهَفٍ سِرْتُ بَينَ الجَحفَلَينِ بهِ

                   حتَّى ضرَبتَ وَ مَوجُ المَوتِ يَلتَطِمُ

ألخَيْلُ وَ اللّيْلُ وَ البَيْداءُ تَعرِفُني

             وَ السّيفُ وَ الرُّمحُ وَ القرْطاسُ وَ القَلَمُ

صَحِبْتُ فِي الفَلَواتِ الوَحشَ مُنفَرِداً

                     حتّى تَعَجّبَ منّي القُورُ وَ الأكَمُ

يَا مَن يَعِزُّ عَلَينَا أنْ نُفَارِقَهُمْ

                      وجدانُنا كُلُّ شَيئٍ بَعدَكمْ عَدَمُ

مَا كانَ أخلَقَنَا مِنكُمْ بتَكرِمَةٍ

                            لَو أنّ أمرَكُمُ مِن أمرِنَا أمَمُ

إنْ كانَ سَرّكُمُ ما قالَ حاسِدُنَا

                             فَمَا لجُرحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ

و بَيْنَنا لَو رَعَيْتُمْ ذاكَ مَعرِفَةٌ

                   إنّ المَعارِفَ فِي أهْلِ النُّهَى ذِمَمُ

كم تَطلُبُون لَنَا عَيْباً فيُعجِزُكُمْ

                          وَ يَكرَهُ الله ما تَأتُونَ و الكَرَمُ

ما أبعدَ العَيْبَ و النُّقْصانَ مِن شَرَفي

                      أنَا الثُّرَيّا وَ ذانِ الشّيبُ وَ الهَرَمُ

لَيتَ الغَمَامَ الذي عِندي صَواعِقُهُ

                         يُزيلُهُنّ إلى مَن عِندَهُ الدِّيَمُ

أرَى النَّوى يَقتَضيني كلَّ مَرحَلَةٍ

                       لا تَستَقِلُّ بِها الوَخّادَةُ الرُّسُمُ

لَئِن تَرَكنَ ضُمَيراً عَن مَيامِنِنا

                           لَيَحدُثَنّ لمَن وَدّعتُهُم نَدَمُ

إذا تَرَحّلْتَ عن قَومٍ وَ قَد قَدَرُوا

                        أنْ لا تُفارِقَهُمْ فالرّاحِلونَ هُمُ

شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بهِ

                  وَ شَرُّ ما يَكسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ

وَ شَرُّ ما قَنّصَتْهُ رَاحَتي قَنَصٌ

                     شُهْبُ البُزاةِ سَواءٌ فيهِ و الرَّخَمُ

بأيّ لَفْظٍ تَقُولُ الشّعْرَ زِعْنَفَةٌ

                        تَجُوزُ عِندَكَ لا عُرْبٌ وَ لا عَجَمُ

هَذا عِتابُكَ إلاّ أنّهُ مِقَةٌ

                             قد ضُمّنَ الدُّرَّ إلاّ أنّهُ كَلِمُ".


إقرأ أيضاً: قصيدة "دع عنك لومي" كاملة

الخاتمة:

رَحمَ الله شاعرنا المُتنبّي, الخالد في وجداننا و تاريخنا ببلاغته و حكمته المشهود لها. بحيث كان منارةً شعرية تُضيئ بحور الشعر و شواطئه من كلّ صوبٍ. و إنّي أشهد أنَّ أدبه يستطيع الأعمى قرائته لبلاغته, و كلماته برَوعتِها تصل إلى آذان كلِّ أصَمّ.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية