بما أنَّ أبيات الشعر العربي عامةً و الغزلي منه خاصةً بحرٌ لا قاعَ له, و كَون تلك الأبيات الرائعة كالنَّبع الجاري لا تجفُّ و لا تنضب. قررتُ أن أفيض عليكم بمقالةٍ أخرى تكون كجزءٍ ثانٍ لما تناولته في سابقتها أجمل أبيات القصائد الغزليّة.
و كنتُ قد ذكرتُ لكم أقوى الأبيات الغزليَّة التي كتبها و ألَّفها أعظم الشعراء العرب عبر التاريخ. و تعقيباً على ذلك شعرت أنَّ هناك أبياتاً غزليَّة كثيرة لها شهرتها و مكانتها في المعنى و البلاغة, لم آتي على ذكرها و هذا ما أعتبره ظلماً بحقِّها و بحق من كتبها.
لهذا أضع بين أيديكم مجموعةً ثانية من أجمل المقاطع الشعريّة الغزليّة, المأخوذة من عدَّة قصائدٍ ذاتَ طابعٍ رومانسي:
" لم أدرِ ما طيبُ العناق على الهوى
و الرَوضُ أسكرهُ الصِبا بشَذاكِ
لم أدرِ و الأشواقُ تصرخُ في دمي
حتّى ترفَّقَ ساعدي فطَواكِ
و تأوَّدَتْ أعطافُ بانك في يدي
و احمَرَّ من خديهِما خدَّاك
و تعطَّلت لغةُ الكلامِ و خاطبتْ
عيني في لغةِ الهوى عيناكِ
و مَحَوتِ كلَّ لبانةٍ في خاطري
و نسيتُ كلَّ تَعاتُبٍ و تَشاكي ".
أحمد شوقي
" يا عَبلَ إنَّ هَواكِ قد جازَ المَدى
و أنا المعنى فيكِ من دون الوَرى
يا عَبلَ حبُّكِ في عِظامي مع دَمي
لمَّا جرتْ روحي بجسمي قد جرَى ".
عنترة بن شدّاد
" و إنِّي لَتَعروني لذِكراكِ رعدةٌ
لها بين جسمي و العِظام دبيبُ
و ما هو إلاّ أن أراها فُجاءَةً
فُأُبهتُ حتّى ما أكادُ أُجيبُ
و أُصرَفُ عن رأيي الّذي كنتُ أَرتَئي
و أنسى الّذي حُدِّثتُ ثمَّ تَغيبُ
و يُظهِرُ قلبي عُذرَها و يُعينها
عَليَّ فما لي في الفؤادِ نصيبُ ".
عروة بن عزّام
" قُلْ لي بربّكَ أيَّ عدلٍ أن ترى
شوقي, و منكَ البُعدُ قد أعياني
و هَجرتَ قلباً غارقاً في عِشقهِ
و تركتَني في التِّيهِ و الأشجانِ
و تظلُّ تمضي لا تُبالي بالهوى
آهٍ فيا للهجرِ كم أضناني
خُذ ما تشاءَ منّي و لكن أعطني
حُبّاً و بعضَ العطفِ و التِّحنانِ
أتُراكَ تَدري يا سطورَ حكايتي
و عَلِمتَ ما قد ضمَّهُ وجداني
قُلْ لي بربِّكَ هل عَدلتَ بقصتي؟!
إنَّ الهوى و الحُبُّ هدَّ كياني ".
ناصر السعيد
" اللهُ يَعلمُ ما بالعينِ بَعدَكَ مِن
سَهدٍ تُقاسيهِ أو دَمعٍ تُعانيهِ
أمَّا الفُؤادُ فحَسبي أنتَ ساكِنهُ
و صاحبُ البَيتِ أدرى بالّذي فيهِ ".
إبراهيم اليازجي
" و كمِ ادَّعَينا أنَّنا اعتَدنا الفِراق
و قُلوبنا نَسيَتْ و لم تَمُتِ اشتِياق
و كمِ ادَّعَينا و اصْطَنَعنا بَسمةً
فتَبدَّلتْ دَمعاً أفاضَ بهِ اختِناق
و كمِ انتظَرنا الدَّهر يَحلو مرَّةً
فيُذِيقُنا بقَساوةٍ مُرَّ المَذاق
و لكَم تَحدَّينا الحَياةَ و ندَّعي
أنَّا بخيرٍ ما خَسِرنا في السِّباق
و لقد أُسِرنَا بالهَوى و حَنِينهِ
لا نَابَنَا سَعدٌ و لا مِنهُ انعِتَاق ".
وئام اللّيثي
" يقولُ الناسُ أنَّ الحبَّ وهمٌ
و يوماً, سوف يدرِكهُ الغروبُ
فقلتُ, و قد سمَوتُ بلا جناحٍ:
بدون الحبِّ, لا تحيا القلوبُ
لهيبُ الشمسِ يَخبو كلَّ يَومٍ
و في أعماقِنا يَعلو اللَّهيبُ ".
صُبحي ياسين
" من ذا سيَمنعُ نبضَ القلبِ إن خَفَقا
و فيكَ عقلي و إحساسي قد اتَّفَقا
يا غائِباً بي و روحي في حقائِبهِ
تُسابقُ الدَّربَ حتّى تُمسكَ العَبَقا
لم يَرضى قلبي هوانَ الرِقِّ من أحدٍ
لكنَّهُ منكَ يَأبى العِتقَ إن عُتِقا ".
ربيع السَّايح
" خذوا بدمي ذاتَ الوشاحِ فإنَّني
رأيتُ بعَيني في أنامِلها دَمي
أغارُ عليها من أبيها و أُمِّها
و من خُطوَةِ المِسواكِ إن دارَ في الفَمِ
أغارُ على أعطافِها من ثِيابِها
إذا ألبسَتها فَوق جِسمٍ مُنَعَّمِ
و أحسدُ أقداحاً تُقَبِّلُ ثَغرها
إن أوضَعَتها مَوضِعَ المَزجِ في الفَمِ ".
يزيد بن مُعاوية
" و أرى مَساوِئهُ كأَنِّي لا أرى
و أرى مَحاسِنهُ و إن لم تُكتبِ
و ألومُ نفسي قَبلهُ إن أخطأتُ
و إذا أساءَ إليَّ لم أتَعَتَّبِ ".
إيليّا أبو ماضي
" لي من هواكَ بعيدُهُ و قريبُهُ
و لكَ الجمالَ بديعُهُ و غريبُهُ
يا مَن أعيذُ جمالهُ بجلالهِ
حَذَراً علَيهِ من العُيونِ تُصيبُهُ
إن لم تكُن عَيني فأنَّكَ نورُها
أو لم تكُن قلبي فأنتَ حبيبُهُ ".
الشَّاب الظريف
" هِبني عُيوناً كي أراكَ و رُدَّني
بعدَ الغَشاوَةِ مُبصِراً و بَصيرا
لَولا سَناكَ لما اهتَدَيتُ و مَقصَدي
كان الحقيقةَ أوَّلاً و أخيرا
أخافُ إن هَدأت لَواعِجُ خافِقي
ألاَّ أكونَ بمن أحبُّ جَديرا ".
ربيع السَّايح
" و هواكَ في قلبِ الظُّنونِ حقيقةً
لا ريبَ فيهِ, و حبُّ غَيرِكَ باطلٌ
إن كان حُبُّكَ في الفُؤادِ فريضةً
فسِواكَ في شَرعِ الغرامِ نَوافِلُ ".
ربيع السَّايح
" كتمتُ حُبَّكِ حتّى منكِ تَكرُمَةً
ثمَّ استَوى فيهِ إسراري و إعلاني
كأنَّهُ زادَ حتّى فاضَ عن جَسَدي
فصارَ سَقَمي بهِ في جسمِ كِتماني ".
المتنبّي
" هذا الذي أبصرتُ منهُ حاضراً
مثلَ الّذي أبصرتُ منهُ غائِباً
كالبدرِ من حيثُ التَفَتَّ رأيتَهُ
يَهدي إلى عَينيكَ نوراً ثاقباً ".
المتنبّي
" أبلغ بُثَينة أنِّي لستُ ناسيها
ما عِشتُ حتّى تُجيبُ النَّفسُ داعيها
بانَتْ فلا القلبُ يَسلو من تَذكُّرِها
يَوماً و لا نحنُ في أمرٍ نُلاقيها ".
جميلُ بثينة
" ما إن يُمتّع بالمعشوقِ عاشقَهُ
سمعٌ إذا لم يُمتّعهُ بهِ البَصرُ
و كلُّ قلبٍ لهُ حبُّ يُقلِّبُهُ
و أعذبَ الحبِّ ما أحباكهُ النظرُ
و لو تُكافي الهوى مرأى و مستمعاً
لما تَبايَنت الأصواتُ و الصورُ ".
عبدالله بن سليمان النحوي
" فُؤادي بَين أضلاعي غريبٌ
يُنادي من يُحِبُّ فلا يُجيبُ
أحاطَ بهِ البلاءُ فكُلُّ يَومٍ
تُقارعُهُ الصبابةُ و النَّحيبُ
لقد جلبَ البلاءَ عليَّ قَلبي
فقلبي مذ علمت له جلوبُ
فإن تكُنِ القلوبُ مثالَ قلبي
فلا كانت إذا تلكَ القلوبُ ".
قيس بن ملّوح
" قلبي يُحدِّثُني بأنَّك مُتلفي
روحي فِداكَ عرفتَ أم لم تَعرفِ
لم أقضِ حقَّ هواكِ إن كنتُ الّذي
لم أقضِ فيهِ أسى، و مِثلي مَن يَفي
ما لي سِوى روحي، و باذِلُ نفسِهِ
في حبِّ من يَهواهُ ليسَ بمُسرِفِ
فلَئِن رَضيتَ بها, فقد أسعَفتَني
يا خَيبةَ المَسعى إذا لم تُسعفِ
يا مانِعي طيبَ المَنامِ, و مانحي
ثَوبَ السِّقامِ بهِ و وَجدي المُتلَفِ ".
إبن الفارض
و بهذا المقطع ننهي مقالتنا هذه عسى أن تكون قد نالت إعجابكم, و عايشتم فيها أجواء الحبِّ و العشق التي خالجت شعراء تلك الأبيات المميزة, و نقلوها إلينا بكلماتهم و مشاعرهم الجيَّاشة, علَّهم يكونوا لنا منارةً تضيئ علاقاتنا العاطفيَّة.

لا يوجد تعليقات
أضف تعليق