كلّنا نسعى إلى أن نكون عاطفيين مع مَن نُحبّ. ممّا يوجب علينا, إهتماماً خاصاً في هذا الجانب منّا, لثقلِه و تطويره و لتعلّم المزيد حوله. كي نرقى للمشاعر التي نكُنُّها لمن تعزُّهُ قلوبنا.
و كلَّما كبُرَ حبُّنا, كبُرَت معه معاني كلماتنا التي نكتبها لمن نهوى. فكيف إن كنّا شعراءً نفقهُ اللّغةَ و بلاغتها؟ كيف ستكون عباراتُنا؟ التي تتعشعشُ فيها مشاعرنا, و تكونُ تجسيداً لكلّ إحساسٍ يُخالجُنا. و هنا يتَجلَّى الإبداعُ في صهر الأحرف بعضها في بعض, لتخرجَ منها أبياتاً بليغةَ التعابير رائعةَ المعنى.
إليكم في ما يلي مجموعةً من المقاطع الغزليّة, المأخوذة من قصائد أعظم الشعراء على مرِّ العصور المتتالية و الحِقَب العربية. حيث أن كلّ شاعرٍ منهم كان عاشقاً حتّى الصَّميم. و ذاق الحبَّ و لِذَّته و انْكَوى بنارهِ و لوعته, حتّى خرجت منهم هذه الروائع التالية:
" و لولاَ فتاةٌ في الخيام مُقيمةٌ
لما اخترتُ قُربَ الدَّارِ يوماً على البعدِ
مُهفهَفةٌ و السِّحرُ من لحظاتِها
إذا كلّمتْ ميتاً يقومُ من اللّحدِ
أشارتْ إليها الشمس عند غروبها
تقول: إذا اسودَّ الدُّجى فاطلعي بعدي
و قال لها البدرُ المُنير ألا اسفري
فإنَّكِ مثلي في الكمال و في السَّعدِ
فولَّتْ حياءً ثم أرخَت لثامَها
و قد نَثرتْ من خدِّها رُطبَ الوردِ ".
عنترة بن شدّاد
" ما عالجَ النَّاس مثل الحبِّ من سقمٍ
و لا برى مثلهُ عظماً و لا جسدا
ما يلبثُ الحبُّ أن تبدو شواهدهُ
من المُحِبِّ, و إن لم يُبدهِ أبَدا ".
الأحوَص
" لَيتَ الذي خلقَ العيونَ السّودا
خلقَ القلوبَ الخفقاتِ حديدا
لولاَ نواعِسُها و لولاَ سِحرُها
ما ودَّ مالكٌ قلبهُ لو صيدا
عَوِّذْ فؤادُكَ من نبالِ لِحاظِها
أو مُتْ كما شاء الغرامُ شهيدا
إن أنتَ أبصرتَ الجمالَ و لم تَهِمِ
كنتَ امرءاً خشِنَ الطِّباعِ بَليدا
و إذا طلبتَ مع الصبابةِ لذَّةً
فلقد طلبتَ الضَّائعَ المفقودا
يا وَيحَ قلبي إنَّهُ في جانبي
و أظنُهُ نائي المَزارَ بعيدا ".
إيليّا أبو ماضي
" سَلا القلبَ عمّا كان يَهْوى و يطلبُ
و أصبحَ لا يَشكو و لا يَتعتَّبُ
صَحا بعد سكرٍ و انتَخى بعد ذِلَّةٍ
و قلبُ الذي يَهوى العُلى يَتقَلَّبُ
إلى كم أُداري من تُريدُ مذلَّتي
و أبذلُ جُهدي في رِضاها و تغضبُ ".
عنترة بن شدّاد
" صادتْ فُؤادي مِنهُنَّ جارِيةٌ
مكحولةُ المُقلتَينِ بالحَورِ
تُريكَ من ثغرِها إذا ابتسمَتْ
كأسَ مُدامٍ قد حُفَّ بالدَّررِ
أعارتْ الظبْيَ سِحرَ مُقلتِها
و باتَ لَيثُ الشرى على حذرِ ".
عنترة بن شداد
" يا عبلَ نارُ الغرامِ في كَبِدي
تَرمي فُؤادي بأسهمِ الشررِ
يا عبلَ لَولا الخيالُ يَطرُقُني
قضيتُ لَيلي بالنوحِ و السهرَ ".
عنترة بن شدّاد
" نَظَري إلى وجهِ الحبيبِ نعيمٌ
و فراقُ من أهوى عليَّ عظيمٌ
يا زارعَ الرَّيحانَ حَولَ خِيامِنا
لا تزرعِ الرَّيحانَ لسنا نُقيمُ
ما كلُّ مَن ذاقَ الهَوى عَرفَ الهَوى
و لا كلُّ مَن شَرِبَ المُدامِ نَديمُ ".
أبو فراس الحَمَداني
" تداوَيْتُ من لَيلَى بلَيلَى عن الهَوى
كما يَتَداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
ألا زَعَمَتْ لَيلَى بأنَّ لا أحبُّها
بَلى و اللَّيالي العَشرِ و الشَّفعِ و الوَتْرِ
بَلى و الَّذي لا يعلمُ الغَيبَ غَيرُهُ
بقُدرتِهِ تَجري السفائِنُ في البحرِ
بَلى و الَّذي نادى من الطُّورِ عَبدَهُ
و عَظَّمَ أيامَ الذَبيحةِ و النَّحرِ
لقد فُضِّلت لَيلَى على الناسِ مِثلما
على ألفِ شهرٍ فُضِّلت لَيلةُ القَدرِ ".
قيس بن الملوح
" رَمَتْ الفُؤادَ مَليحةٌ عذراءُ
بسِهامِ لَحظٍ ما لَهُنَّ دواءُ
مرَّتْ أوانَ العيدِ بين نَواهِدٍ
مثلَ الشموسِ لِحاظُهُنَّ ظِباءُ
فاغتالَني سَقَمي الَّذي في باطِني
أخفَيتُهُ فأذاعَهُ الإخفاءُ
بَسَمَتْ فَلاحَ ضِياءُ لُؤلُؤِ ثَغرِها
فيهِ لداءِ العاشقينَ شِفاءُ
سَجَدَتْ تُعظِّمُ ربَّها فتَمايَلتْ
لجلالِها أربابُنا العُظماءُ ".
عنترة بن شدّاد
" تَغَلغَلَ حبُّ عَثمةَ في فُؤادي
فبادِيهِ مع الخافي يَسيرُ
تَغَلغَلَ حَيثُ لم يَبلُغ شرابٌ
و لا حزنٌ و لم يَبلُغ سُرورُ
شَقَقْتُ القلبَ ثمَّ ذَرَرْتُ فيهِ
هَواكِ فَلِيمَ فالتَأمَ الفطورُ ".
عُبَيدُ الله بن مسعود الهذيلي
" رَحلتُ إلى بِحارِ العشقِ حُلمي
أضُمُّ لروحي الحُرَّا يَداهُ
أُعانِقُ طَيفَهُ فأَهيمُ شَوقاً
و حُبّاً زادَ في قلبي لِظاهُ
و إنِّي تائِهٌ في بحرِ حُبِّ
و كم قَبلي من العُشَّاقِ تاهوا
فَ وآسفاهُ لُقياهُ سرابٌ
و من يَلقى السَرابَ إذا أتاهُ ".
ناصر السَّعيد
" مَدّت مواشِطَها في كفِّها شَرَكاً
تَصيدُ قلبي بها من داخلِ الجسَدِ
إنسِيَّةٌ لو رأتها الشَّمسُ ما طَلَعَتْ
من بعد رُؤيَتِها يَوماً على أحدِ
قد خلَّفَتني طريحاً و هي قائلةٌ
تأمَّلوا كيفَ فِعلُ الظَّبْيِ بالأسدِ ".
يزيد بن معاوية
" و ما في الأرض أشقى من مُحِبٍ
و إن وَجَدَ الهَوى حُلوَ المذاقِ
تَراهُ باكِياً في كلِّ وقتٍ
مَخافةَ فرقةٍ أو لِاشتِياقِ
فَيبكي إن نأى شَوقاً إليهِم
و يبكي إن دَنوا خَوفَ الفُراقِ
فتَسخنُ عَينُهُ عند التَنائي
و تَسخنُ عَينُهُ عند التَلاقي ".
إبن دريد الآزدي
" عندي فؤادٌ يَكادُ الشَّوقُ يَنزعُهُ
و لَيسَ يَدري بما تُخفيهِ أَضلُعُهُ
يَظَلُّ ظمآنَ مطِوياً على حُرَقٍ
لاحَتْ تَباشيرُ صُبحٍ حانَ مَطلعُهُ ".
إبن قلاقس
" الرأيُ قبلَ شجاعَةِ الشُجعانِ
هو أَولٌ و هي المحلُ الثاني
فإذا هُما اِجتَمَعا لنفسٍ حُرَّةٍ
بَلَغَتْ مِنَ العَلياءِ كُلَّ مكانِ ".
المُتنبّي
" يا مَن يَعِزُّ علَينا أن نُفارِقَهُم
وِجدانُنا كلُّ شَيئٍ بَعدَكُم عَدَمُ
ما كانَ أخلَقَنَا مِنكُم بتَكرِمَةٍ
لَو أنَّ أمرَكُمُ من أَمرِنا أمَمُ
إن كانَ سرُّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا
فَما لجُرحٍ إذا أرضاكُمُ أَلَمُ ".
المُتنبّي
" و عذَلتُ أهلَ العشقِ حتّى ذُقتُهُ
فعَجِبتُ كيفَ يموتُ من لا يَعشقُ
و عَذَرتُهُم و عرفتُ ذَنبي أنَّني
عَيَّرتُهُم فلَقيتَ مِنهم ما لَقوا ".
المُتنبّي
" لا تَعذُلِ المُشتاقَ في أشواقِهِ
حتى يكونَ حَشاكَ في أحشائِهِ
إنَّ القَتيلَ مُضَرَّجاً بدموعِهِ
مِثلُ القتيلِ مُضَرَّجاً بدِمائِهِ ".
المُتنبّي
" إن العُيُونَ التي في طَرفِها حَوَرٌ
قَتَلنَنا ثمَّ لم يُحيينَ قَتلانا
يَصرَعنَ ذا اللُّب حتى لا حراكَ بهِ
و هنَّ أضعفُ خَلقْ اللَّه أركانا ".
جرير بن عطيّة
" لعَينَيكِ ما يَلقى الفُؤادُ و ما لَقى
و للحُبِّ ما لم يَبق منّي و ما بَقي
و ما كنتُ مِمَّن يدخُلُ العِشقُ قلبُهُ
و لكِنَّ مَن يُبصِر جُفونَكِ يَعشَقِ ".
المُتنبّي
" فتُراكَ تَدري أنَّ حبَّكَ مُتلِفي
لكنَّني أُخفي هَواك و أكتُمُ
إن كنتَ لا تَدري، فتلكَ مُصيبةٌ
أو كنتَ تَدري, فالمصيبةُ أعظَمُ ".
صفيّ الدّين الحلي
إقرأ أيضاً: أروع ما قيل عن الحبّ في العصر الجاهلي
و هكذا نصلُ إلى ختامِ مقالنا. مُتمنِّياً من كلِّ العاشقين أن يُطلقوا العنانَ لكلِماتِهم و أرواحِهم, و يَكتبوا في مَن يحبّون, و يُفجِّروا من فُوَّهَةِ مشاعرهِم أروعَ العباراتِ. فكلُّ عاشقٍ في نَظَري هو شاعر, لكنَّما ليس كلُّ الشُعراءِ عشاقٌ, فمِنهم لم يُدركوا كيف يَصبونَ إليهِ.

لا يوجد تعليقات
أضف تعليق