أستيقظ في الصباح الباكر كل يومٍ و أنا على مشارف الثلاثين من عمري, أحتسي قهوتي بهدوءٍ, أتفكّر بحياتي الطويلة التي عشتها بحذافيرها. فأبتسم قليلاً و أتحسّر قليلاً, و أدعو الله في يسر أموري و دوام صحّتي.
و في لحظة صفاء الذهن هذه, تقترب منّي والدتي -حفظها الله و رعاها- و تهمس لي بصوتٍ خافت لا يخلو من الحزن و الشفقة :"إبن جارنا أبو ياسر زفافه الأسبوع القادم, إلى متى ستبقى على هذه الحال؟".
هنا أشعر بأنّي تعرضت لصفعةٍ بخمس أصابع, و من شخصٍ هو أقرب لي من حبل الوريد, هي لا تملك نيّة الشماتة أو الإزدراء, و لا تتوفر في جملتها أركان الجريمة لا المعنوية منها و لا المادية. و لكنّي مع ذلك أدرك أن كل كلمةٍ نطقت بها نزلَت على جسدي كالصّاعقة, و كأنّما مع كل حرفٍ يخرج من فمها الطاهر خنجرٌ يخزُّ معدتي.
لا أعرف بما يجب علي أن أردّ على هكذا سؤال أنهت فيه أمّي حديثها السرّي للغاية, و كأنّها تخبرني بفضيحة و ليس بحدثٍ مفرح ننتظر قدومه. و لأصدقكم القول فقد جرّبت معها -أي أمّي العزيزة- كل الأجوبة الممكنة و غير الممكنة, المنطقية منها و المستحيلة, و كل ما يخطر على بال حضراتكم. هذا السؤال الذي اعتدت على سماعه منها في آخر خمس سنواتٍ تقريباً بدون كللٍ أو ملل من جانبها المُوقّر.
أنا لا أعاتب أمّي, و لا أنزعج من دأبها المتواصل على هذا الموّال الذي لا نهاية له إلّا برضاها -أي أن أكمل نصف ديني- فهي في النهاية لا تريد من هذه الدنيا سوى سعادتي و راحة بالي. و ما أَحبّ إلى قلبها سوى أن ترى أحفادها يلعبون حولها, فكما يقول المثل "ما أعزَّ من الولد إلّا ولد الولد".
إلى الآن ما زلنا نتحدث عن والدتي و أمنيتها -التي أرجو لها التحقق- و لكن ماذا عن أمنيتي, أليس لي حقّ تقرير المصير. هذا الحق التي كفلته جمعية الأمم المتحدة لكافة شعوب العالم, ألست مواطناّ صالحاً لدي الحق في إبداء الرأي و حريّة في التعبير. أليس واجباً على والدتي دعمي في خياراتي و إن كانت على خطأ نصحي و إرشادي, أليست هذه وظيفة الأمهات حفظهم الله.
مع أنّي مدركٌ لنضجي فكرياً و جسدياً, بحيث أستطيع اتّخاذ قراراتي الشخصية باستقامة و وعي, و الإهتمام بنفسي دون الإعتماد على أحد, بالإضافة لقدرتي المتواضعة في تقديم النصائح البنّاءة لأصدقائي و أقاربي. مع ذلك لا أجد نفسي أهلا للزواج و الإرتباط الجدّي بالجنس الآخر, و لست مستعداً بعد لأقدم على هذه الخطوة الكبيرة في حياة كل مرءٍ و التي لها تبعات تمتدُّ إلى نهاية العمر.
ما ذكرت سابقاً كان الجانب الحسن من شخصيّتي, و لأكون عادلاً مع القرّاء من واجبي الوقوف على الجانب السيئ أيضاً, و أوّلُ خصلة هي عدم قدرتي على تحمّل المسؤوليات أو بالأحرى كرهي الشديد لذلك. فشخصيتي تمتاز بالبرودة التامة الواضحة كعين الشمس, فلا أهوى فعل شيئ و أغلب الأشياء التي تجعلني في موقع المسؤول أبغضها, و التهرّب من المسؤوليات ميزتي الأولى. لذلك أحاول بقدر ما أستطيع أن أُبقي على حياتي هادئة, و أبتعد عن زحمة الحياة اليومية و تحدّياتها. و نحن هنا نتحدث عن الزواح و ما يحمله من مسؤوليات كثيرة تقع على عاتق الزوج, من اللّحظة التي تصبح فتاة ما على إسمه, من المأكل إلى الملبس إلى تأمين المنزل و إبعاد كل أذى يتربّص بفتاته الحبيبة.
ثاني الأسباب التي أودُّ أن أتلوها عليكم, هو صعوبة تأقلمي مع الروتين اليومي و عيش اللّحظات ذاتها كل يوم في تكرارٍ شبه دائم للأمور الحياتية. فيُدخل ذلك في نفسي الملل و الضجر و هذا ما لا أريد التعايش معه في حال قرّرت الزواج, ما سينعكس سلباً على علاقتي بشريكتي و بروداً في تعاملي معها. و هذا ما أعتبره بالتأكيد ظلماً لها و لمشاعرها و أنا لا أقبل أن أزجَّ روحاً بريئة ظلماً في قفص الزواج, و أرغب أن أسبق تعليقاتكم بأن الزواج بعيدٌ كل البعد عن التكرار و الروتين و نحن -أي انا و شريكتي- يمكننا أن نصنع يومنا و نبتكر كل يوم شيئاً جديداً. الحقّ معكم في هذا, لكنَّ ذلك يتطلّب فتاةً مجنونة في وجهة نظري تعشق التغيير و تجاريني في ذلك, و حبّذا لو أني أجدها لما انتظرت إلى الآن وحيداً في سريري.
أمّا سببي الأخير, و هو الأقوى من بين أسبابي و لعلّكم ستعتقدون أنّي قد جننت, و لكن هكذا أنا و عليكم تقبّلي يا أعزّائي كما أنا,و هو أنّي لا أستطيع أن أتحمّل مهما تكن الظروف, أن تتقيّد حريّتي و لو واحداً في المئة. فأنا أعشق حريّتي و أقدّسها إلى أبعد الحدود و أوليها أهميةً قصوى في حياتي, و لا أقبل من أي شخصٍ كان أن يحدّها و يفرض عليها قيوداً. لأنّي أعتبر أن الحياة سأعيشها مرّةً واحدة و عليّ الإستفادة منها للحدّ المتاح.
و بمصطلح الحريّة أنا لا أقصد التفلّت الأخلاقي و التعدّي على حقوق الغير بمختلف الأشكال, فحريّتي تنتهي عندما تبدأ حريّة الأخرين, و كما لا أقبل أن أتدخّل بشؤون الغير بدون إذن و التنظير و إلقاء المحاضرات الميتة, على الأخرين إحترام هذا الحق عند التعامل معي و تجنّب إلقاء الخطابات عن حياتي و كيفيّة إدارتها. من هذا المنطلق لم أجد إلى الآن فتاةً تلبّي هذا المطلب المحق, فلا أريدها -و إن كانت زوجتي- أن تتدخّل في تفاصيل حياتي الشخصية الخاصة التي تختلف عن حياتي الزوجية, و أنا في المقابل سأقوم بالمثل, فاحترام خصوصية بعضنا البعض هو واجب و حقّ علينا كزوجين, و إنّي أؤيد ذلك بكل حواسي و أفعالي. فالزواج هو أن نكمّل بعضنا البعض لا أن نتنازل عن حقوقنا لبعضنا, بالنسبة لي إن الثقة هي كل شيئ في العلاقة و بعدها تأتي البقية, فكم أهوى أن أشعر في حضرة زوجتي المستقبلية أنّي لست بمتزوجٍ, فتكون لي صديقتاً و زميلةً و أختاً أو أمّا و في النهاية زوجة.
إقرأ أيضاً: كيف أعثر على فتاة أحلامي؟
عذراً أمّي على ذوقي الصّعب هذا, لكنّي أنا من سأختار خليلتي و لن أقبل بأقل من المستوى و الشروط التي وضعتها لنفسي. فأنا من سيعيش معها و يعايشها و سأكون برفقتها في جميع حالاتها و ظروفها, أريدها أن تجلب إلى حياتي السعادة. و لن يتحقق ذلك إذا لم يستهوها قلبي و عقلي معاً, و إلّا فستبقى وحدتي هي الداء .. و الدواء.

كلام جميل صديقي
ردحذف