أول ‏علاقة ‏حبّ ‏طفولية ‏في ‏حياتي

0

لم أكد أصل العاشرة من عمري, حتّى أدركت أنَّ العالم فيه أمورٌ أهمُّ من "الغُمِّيضة" و "اللُّقيطة". و هي ألعابٌ كانت "دارِجة" أي مشهورة في أيام طفولتي, حيث كنّا نجنمع أنا و أصدقائي و نلعبها في ساحة البلدة, أو في ملعب المدرسة. حين كان شراء لوح شوكولاتة من دكَّان جارنا, فعلٌ عظيمٌ و ممتع.

حيث يبدأ تكوُّن الوعي الذاتي في ذلك العمر, و أدراك أموراً جديدة لم تكن في الحُسبان. و كان لي من هذه التجربة حصَّة الأسد, فاختبرت مشاعراً لم أكن أملكها سابقاً. و رغم أنَّها كانت حديثة الولادة و خجولة, فقد أشعرتني بالمُتعة و الحماس في التعامل معها, ألا و هي مشاعر الإعجاب.

الحب منذ الصغر,الأول حب الطفولة,الحب الطفولي,اول علاقة حب,

كنت حينها في الصف الخامس الأساسي على ما أذكر, عندما أدركتني تلك المشاعر, و ظهرت عليَّ عوارضها. في البداية لم أعلم كيف أُجاريها, و لم يكن في جعبتي أيٌّ نصائحٍ أو إرشادات حولها, لا من الأهل و لا من العائلة ككل. و كنت أشعر بوجوب إخفائها, لأنّي اعتبرتُها حينها, شيئاً أقرب إلى العيب في نظري, و أمراً مُخجلاً.

و مع مرور بضعة أيام, بدأت أعتاد عليها شيئاً فشيئاً و أتقبَّلها كجزءٍ من نفسي و شخصيتي.  و صارت تظهر تلك الأحاسيس  في ملامحي, و تصرفاتي في المدرسة و المنزل و مع الأصدقاء. و كان عليَّ في نهاية المطاف, أن أعترف بإسم من جذبت فؤادي الطفولي إليها.

إنها "ناتالي", الفتاة التي حرَّكت فيّا مشاعراً كنت أجهلها. و رغم صُغر سنّي و طيشي في تلك المرحلة, إلّا أنّي كنت هائماً بها بكلِّ كياني. و عندما أستذكر تلك الفترة, و تصرفاتي خلالها, لا أصدِّق أنّي أنا هو ذلك الشّخص نفسه. فحقاً كما يقولون, إن الحُبَّ "يفعل فِعله", و قد وقع ذلك الطفل البريء ضحيَّةً له.

كنّا في قاعة الدراسة حينها, عندما دخلت علينا المعلّمة  كالمعتاد, فبادرنا بإلقاء التحيّة عليها فردَّت السلام. و سارعت بالقول:"إنَّ اليوم هو يومٌ مميَّز, فقد أحضرت معي إبنة أختي معي إلى المدرسة. و أرغب في أن تكون زميلتكم لهذا اليوم على مقاعد الدراسة". و بالطبع رحَّبَ جميع من في الصف بهذا الحدث الذي لا يتكرَّر دائماً.

و بعد بضع دقائق, دخلت تلك الزهرة و وقفت بجانب خالتها, و الخجل مرتسمٌ على محياها. و ما كان للمعلمة إلا أن قدَّمتها لنا, و قالت:" هذه "ناتالي" التي حدَّثتكم عنها, أرجو أن ترحِّبوا بها و تعتبروها صديقةً لكم, فقمنا بترحيبٍ لائقٍ لها و جلست بيننا, في جوٍّ من الحماس لهذه التجربة الرّائعة.

كانت جميلةً نعم, جميلةً جدّاً و بدون أن تقول أيَّ كلمةٍ, و لم تكن بحاجة للحديث معنا كي تلفت انتباهي, فاحمرار وجنتيها يحكي كلَّ شيئ. و ما كانت إلا بضع نظراتٍ منها نحوي, حتّى وقعت في المحظور, و ذاب قلبي كما تذوب قطع الثلج التي كنّا نضعها على "الصّوبا" أي المدفئة, عندما كنّا أطفالاً.

لم أعرف بدايةً التَّعريف الملائم لأصف به ما حدث معي, و رغم تجاهلي لتلك الأحاسيس الخافتة, إلا أنَّها استملكتني مع مرور الوقت. و أستغرب كيف كانت تخطِر على بالي و هي ليست أمامي, و لا أحد بجانبي يتحدَّث عنها. يمكنكم القول أنّي كنت مُشتَّت الذهن في الفترة الأولى لمعرفتي بها, و كنت أجهل ما أريد.

و بعد مرور حوالي الأسبوعين, أيقنت الوصف المناسب لحالتي, و هي أنّي معجب بها. فلممت نفسي و جمعت شتات أفكاري, و عقدت العزم للإعتراف بذلك بعد تردُّدها عدَّة مرّاتٍ برفقة معلّمتي, التي كان عليَّ إخبارها بما أكنُّ لإبنة أُختها. و بالفعل قمت بذلك و سأتجنَّب إخباركم كيف كان وجهي حينها.

بعد هذا الإنجاز التاريخي في حياتي العاطفية, أجرت معلّمتي محادثاتها مع الطَّرف الآخر, حيث كان جوابه بالتَّريث قليلاً لحين التَّفكير المليّ بالموضوع. و رغم هذا الجواب المُحيِّر, إلا أنَّ قلبي اعترته فرحةٌ لا توصف, فلم يتمَّ رفضي أو إهمال أحاسيسي القيّمة.

و خلال هذه المهلة توطَّدت علاقتي بالمعلّمة, و كنت دائم السؤال عن أحوال "ناتالي" و أخبارها, و مواظباً في الإطمئنان عنها. و كلُّ ذلك كان على "جَنَب", فأنفرد بمعلّمتي عن باقي زملائي قبل الشروع بذلك, كي لا يشعروا بشيئ. و لكنَّ تكرار هذه الحركة أمامهم, أدخل الشكَّ في نفوسهم حتى استنطقوا المعلّمة ذات يومٍ في غيابي, و أخبرتهم بكلِّ شيئ, و كذلك فعلت أنا فيما بعد.

أمّا في المنزل فقد كان السرور  يحتلُّ تعابيري و تصرفاتي أغلب الوقت. و "كِنِت ضَلّ إشرُد فِيها", أي تأتي على بالي و أصيرُ في عالم آخر, و تسلخُني عن الواقع. حتى أدرك أفراد عائلتي أنَّ فيَّا خطبٌ ما, و لم يتيقَّنوا حقيقة الموضوع, إلا عندما وجدت أمي رسالة حُبٍّ كانت تحت وسادتي.

كنت في ذلك الوقت أُواظب على كتابة "الغراميّات", و رسم القلوب و السّهام التي تقطعها, بشكلٍ شبه يومي على شكل رسائل. و ذلك أثناء اللَّيل قبل أن أهمَّ للنوم, ثمّ أضعُها تحت وسادتي, لأقوم صباحاً و أرميها سرّاً في "الشَنتَة" أي حقيبتي المدرسية, و أُسلّمها لاحقاً لمعلّمتي, و التي تُعطيها بدورها إلى "ناتالي" بعد انتهاء اليوم الدراسي. و كانت كلُّ مشاعري حينها على شكل أحرُفٍ و رسوماتٍ جميلة.

و بقيت على هذا المنوال حوالي الشهر, و كان أسعد شهرٍ في حياتي الطفولية, لم أتذوق بعده نفس مقدار السعادة التي كانت تغمرُني في ذلك الوقت. و لم ينتهي "شهرُ عسلي" الخيالي, إلا حين نادت عليَّ المعلّمة بعد انتهاء الحصّة, و أخذتني معها إلى غرفة أُخرى. فشعرت حينها بتوتُّرٍ غريب من نوعه, كأنّي أُعاني من رهاب الأماكن المرتفعة. فقد اعتدت طلب ذلك منها, كي أسألها عن "ناتالي", و هذه المرَّة الأولى التي تُبادر هي بذلك.

و بالفعل ذهبت معها, و كان "الفار عم يلعب بعبِّي" و "عم بُضرُب أخماس بأسداس", و هي أمثالٌ تدلُّ على الشعور بالقلق و الخوف, من شيئٍ مجهول يكاد أن يحصل. و ما إن بِتنا معزولين عن العالم الخارجي, حتّى بادرت بالحديث و قالت لي: "يا ولدي أنت و "ناتالي" ما تزالون صغاراً على هكذا علاقة, و عليكم أن تعيشوا حياتكم مرحلةً مرحلة, و لا تستعجلوا. بالإضافة إلى أنَّ "ناتالي" لديها إمتحاناتٌ قريباً, و عليها أن تُركِّز فيها و تُعطي الدَّرس وقتاً كافياً كي تجتازها بنجاح, و أنت أيضاً أيّها الصغير العاشق".

و ما أن أنهت معلّمتي كلامها, حتى شدَّت الرحالَ من الغرفة, و تركتني على انفرادٍ. حتّى أنّها لم تسمع جوابي أو تعليقي على ما قالت. كنت أجهل السبب وراء ذلك, و هذا ما أزعجني أكثر من مضمون حديثها, لأنّها لم تُراعي شخصي و حقَّ الرَّد على ما أسلفت.

و لكن بعد هنيهةٍ, أدركت لماذا فعلت ذلك, و أظن أنّها لم تُرِد أن تراني حزيناً مُكفهرَّ الوجه, و تشعر بذنب ما فعلت بي. و أيضاً لتتجنَّب بذلك الصدمة التي سأشعر بها أمامها, و كميّة الإحراج الكبيرة, فأرادت أن أكون في لحظة الضُّعف هذه وحيداً, و لا يراني أحدٌ في تلك الحالة.

إقرأ أيضاً: كيف أُعبّر لها عن مشاعري؟

لم تمُرَّ عليّ تلك المحادثة مرور الكرام, فقد دخلت في فترة اكتئابٍ وجيزة, سرعان ما خرجت منها و تفهَّمت كلام معلّمتي المنطقي و السليم. و نسيت كل تلك المشاعر الجياشة, كأنها لم تولد, بعدما أمضيت وقتي في اللّعب و الدراسة. ما أكدَّ كلام معلّمتي التي أكن لها الإحترام حتّى يومنا هذا, عن كوني ما زلتُ طفلاً ".

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية