التعلُّم ‏على ‏طريقةِ "أُمّي"

0

منذ أول يومٍ دراسي لي, عيَّنت أمّي نفسها عليَّ معلمةً خاصة بدوامٍ شبه كامل, يبدأُ منذ وصولي إلى عتبة الدار حتى مغادرتي لهُ في اليوم التالي. و كان تخصُّصها جميع مواد الفصل الدراسي دون استثناء, فهي العالمةُ بكلِّ شيئٍ كما كنت أراها و ما زلت. و رغم كلّ هذا العطاء و الجهد المبذول, كانت تطالب بأجرٍ زهيدٍ جداً, لا يكادُ يغطِّي جُزءاً ضئيلاً ممّا تقدّمه في مجال التعليم, ألا و هو نجاحي.

أذكر جيداً لحظة وصولي من المدرسة, حيث تكون أُمّي في استقبالنا أنا و إخوَتي, لتسأل عن أحوالي و أحوال الدّراسة و "شو أخدنا اليوم بالمدرسة". و أبدأُ فوراً في سردِ الأحداث التي حصلت معي, منذ السّاعة الأولى في الصف حتّى رنين جرس انتهاء اليوم الدراسي. و يكون حديثي مُرفقاً بانفعالاتٍ و حركاتٍ كثيرة في اندماجٍ تام.

حنان الأم, تضحية الأم, مدرسة العواطف, الأمومة, الأم مدرسة

كنت أذكر لها تفاصيل يومي الدّراسي دون أن أُنقِص منه حرفاً واحداً, لتقومَ بالثَّناء عليَّ عند انتهاء تقريري, و تشجيعي بكلماتٍ دافئة تجعل الثقة و الأمان يتسلَّلان إلى قلبي. لم تتململ يوماً من أحاديثي الطّفولية تلك, و لم تُشعرني يوماً أنَّ كلامي هذا لا قيمة له.

لم أُدرك قدرة تحمُّلها العظيمة هذه, إلا حين كبرت و صرت أسمع أختي الصغيرة تتلو يوميّاتها المدرسية لأمّي فور عودتها, فأشعر حينها بالغباء الذي كنت فيه, و سِعَةَ الصّبر و الإستيعاب و التَّفهم لدى من أنجبتني.

و ما أكاد أُنهي نشرة الأخبار اليومية, حتّى تهُمُّ والدتي الكريمة إلى الشنطة, و تسحب "الأجندة" و هي المُفكَّرة المدرسية التي كنّا نُسجّل عليها الفروض المدرسية المطلوبة. تبدأُ بمعاينتها جيداً و يبدأ دوام مدرستي الداخلية, مع ما يُرافقه من تنبيهٍ و صراخٍ في بعض الأحيان, إلى الضَّرب أحياناً. و هذا الأخير كانت له دراجات و أساليب كثيرة تُتقنها نبع الحنان, كلّ ذلك كان في سبيل العلم و التَعلُّم. و لم أجني ثمار هذه القسوة إلا حين دخلتُ مُعترك الحياة.

كانت أمّي تنتظر أيّام السبت و الأحد من كلّ أسبوع لتقوم بتدريسنا ما هو مطلوبٌ, ليس فقط ليوم الأثنين بل لكافة أيّام الأسبوع المقبل, لنكون على استعدادٍ و لا تتراكم علينا الدّروس. حتّى أنّها في بعض الأحيان كانت تفرض علينا, حفظ درسٍ لم يُطلب منّا بعد, فتستبق على المعلّمة عملها. و هذا النّظام كان واجب التنفيذ, كي تدَعنا  نخرج للَّعب مع رفاق الحَيّ, و ننسى الجوَّ الدراسي الصّارم الذي كنا نعيشه في حرَمِ المنزل.

و لا أنسى أيضا عند تراكم الدّروس المطلوبة لليوم التالي, أو عند حلول الإمتحانات كيف كانت والدتي توقظني قبل شقوق الضوء بقليل, لأنجز ما هو مكسور و أقوم بمراجعة شاملة. و لم يكن من السَّهل إيقاظي أنا أو إخوَتي الأعزّاء, فتلجأُ نبع الحنان للوسيلة المُثلى لحل هذه المُعضلة, و هي برمي الماء على وجوهنا البريئة الحالمة. لننهض من الفراش على عجَلٍ, و لتُوَفّر علينا مشقَّتةَ الذهاب إلى الحمّام لغسل وجوهنا, كم أنتِ رائعة يا أمّي.

و لا أعرفُ حتّى الآن, كيف كانت تَجمعُ بين متابعتي دراسيّاً أنا و إخوَتي على مدار اليوم, و واجباتها المنزليّة. من تحضير الطعام إلى أعمال التَّنظيف و الإهتمام بأبي, حتّى الواجبات الإجتماعية, دون تقصيرٍ بأيٍّ منهم. مع العلم أنَّ عائلتي حينها كانت مكوَّنة من ستَّة أفرادٍ بما فيهم أمي, نسكن تحت سقفٍ واحد.

في الختام أتوجَّه بتحيَّة إجلالٍ و تقدير لأمّي و لجميع الأمَّهات الكادحات, لتضحياتهم الجِسام في سبيل تأمين مستقبلٍ لائقٍ لفلذات أكبادهم. فسهرُ أمّي على تعليمي و جُهدِها المُضني في سبيل نجاحي, لا يُمكن بل لا يجوز أن أُدير لهُ ظهري. أمّا امتناني لها, فلن يحُدُّهُ عمرٌ أو مسافة. و ستبقى جمائِلُها عليَّ ما حييت, و الله على ما أقوله شهيد.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية